الغيرة بين الأصدقاء: كيف يمكن التعامل معها
السعادة، والدعم، والأمان، والثقة، وحتى الصحة. يمكن للصداقة أن تمنحنا كل هذه الصفات، بل وأكثر. ومع ذلك، نمر أحيانًا بعلاقات فاشلة، علاقات مضطربة، جارحة، ومتناقضة. الأصدقاء الغيورون مثال على ذلك، علاقات تتحول إلى علاقات تملكية، ثم تفسح المجال فجأةً للخلافات، وسوء الفهم، والغضب.
هناك العديد من "السموم" التي قد تُفسد العلاقات بين الناس. لا شك أن الحسد أحدها. إنه شعور ينبع من النقص والشوق: إنه رغبة المرء في امتلاك ما يملكه الآخر. أما الغيرة، فتنبع من فرضية مختلفة؛ إنها القلق من امتلاك شخص آخر لشيء نعتبره ثمينًا أو جوهريًا.
قال فرانسوا دو لاروشفوكو، فيلسوف القرن السابع عشر، إن الغيرة تولد من الحب لكنها لا تموت معه. أي أنه، ولفترة طويلة، تم قبول الفكرة الخطيرة القائلة بأن "من يحبك بصدق سيُظهر ذلك بالغيرة". ما يحبه المرء ويُقدّره، سواءً كان شريكًا أو صديقًا، مرغوب فيه لنفسه دائمًا.
هذا نوعٌ ضارٌ ومُنهِكٌ من التملك، يُسبِّب سوءَ تفاهمٍ ومشاكلَ وتعاسةً عميقةً لعقود. تظهر الغيرةُ أيضًا في عالم الصداقة. من المهمِّ تحديدُها ومعرفةُ كيفيةِ التعاملِ معها. دعونا نُحلِّلها.
الأصدقاء الغيورون: خصائصهم، أسبابهم، وطريقة التعامل معهم
"أين أنت؟ ماذا تفعل؟ متى نلتقي اليوم؟" الأصدقاء الغيورون متطفلون، متطلبون، وملحّون. يدخلون حياتنا بالصدفة، حتى يجعلونا، شيئًا فشيئًا، نشعر بأن سلوكهم خانق، بل ومثير للمشاكل.
لذا، إذا قارناهم بشريك غيور ومسيطر، يمكننا القول إن الاختلافات بينهما ضئيلة. أعقد ما في هذه المواقف هو أننا لا نعرف دائمًا كيف نتصرف. إذا رفضنا، يغضبون. وإذا وضعنا حدودًا، يتقبلون الأمر باستياء، ويميلون إلى التصرف بطريقة عدائية أو ضحية.
الحقيقة هي أن هذا النوع من صراعات العلاقات ليس من السهل إدارته، وخاصةً في عالم الصداقة. فنحن عادةً ما ننظر إلى الصداقة على أنها شيء مُثري وإيجابي، كروابط تُوفر الولاء والحرية والتواطؤ على حد سواء. إذًا... ما الذي يكمن وراء هذه السلوكيات؟ وكيف يُمكننا تحديدها؟
كيف يتصرف الصديق الغيور؟
الأصدقاء، كالشركاء العاطفيين، ليسوا ملكًا لنا. إنهم جزء من حياتنا، ذلك الركن الثمين من قلوبنا، وحاضرنا أيضًا. ومع ذلك، فهم ليسوا ممتلكاتنا التي يمكننا الإشراف عليها والتحكم بها في كل لحظة. لا تقتصر خصائص الصداقات الغيورة على هذا فحسب، بل لها أيضًا سلوكياتها الخاصة.
- يريدون معرفة ما نفعله وأين نحن في كل لحظة.
- يتوقعون أن يكونوا جزءًا من جميع خططنا. وإن لم يكونوا كذلك، يغضبون.
- يطالبون بالحصرية المطلقة في الصداقة. لا يطيقون أن نخطط مع الآخرين أو نتشارك معهم الأحاديث والهوايات، إلخ.
- اعتادوا على مطالبتنا بالكثير من الأشياء، سواءً كانت خدمات أو قروضًا أو وقتًا. حتى أنهم يتوقعون منا الرد على رسائلهم أو مكالماتهم في أسرع وقت ممكن.
- إنهم بارعون في الابتزاز، ولعب دور الضحية، والتهديد. يميلون إلى إلقاء الأشياء في وجوهنا أو لعب دور الضحية لإظهار مدى الألم الذي نشعر به عندما نتجاهلهم.
- لديهم تقلبات عاطفية مفاجئة؛ إنهم مفرطو الحساسية.
لماذا يتصرفون بهذه الطريقة؟
نعلم أن الغيرة لا تميز بين الجنسين أو الأعمار. ولكن، ما الذي يفسر هذا النوع من السلوك؟ قد يتصرف الأصدقاء الغيورون أحيانًا بتصرفات متطرفة، وهو ما يُعرف بالسلوك الغيور. بمعنى آخر، هم أشخاص يحملون أفكارًا غير منطقية، ويُظهرون ميلًا للتملك، ويُظهرون درجة عالية من التبعية.
تشير الدراسات البحثية، كتلك التي أجراها الدكتور كونستانتينوس كوكينو من جامعة ديمقريطس في تراقيا باليونان، إلى أننا نتعامل مع شخصية عصابية وغير مستقرة عاطفيًا.
من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى ظاهرة شائعة جدًا. غالبًا ما يعاني الأشخاص الغيورون من تدني احترام الذات، مما يدفعهم إلى الاعتماد على الآخرين للشعور بالحب وتلقي الدعم العاطفي. وهذا يقودهم إلى الشعور بخوف شديد من فقدان مصدر الدعم هذا.
تجدر الإشارة إلى ما شرحته دراسة أجراها الدكتور جيفري جي. باركر من جامعة القلب المقدس في كونيتيكت. ظاهرة الأصدقاء الغيورين شائعة جدًا في مرحلة المراهقة، وهو نمط سلوكي يستمر في كثير من الحالات حتى مرحلة البلوغ. وبالتالي، ينحدر العديد من هؤلاء الشباب من أسر مفككة حيث يكون الأصدقاء هم مصدر دعمهم الوحيد.
كيف نتعامل مع الأصدقاء الغيورين؟
عندما نجد أنفسنا في مثل هذا الموقف، من الضروري أن نتذكر أمرًا بالغ الأهمية. الصداقة ثقة، حرية، تواطؤ بين شخصين يحترمان بعضهما البعض ويثريان بعضهما. لذلك، إذا شعرنا بالضغط والقلق، فلا صداقة. إذا شعرنا بالقمع والقلق وشعورًا بمحاولة أحدهم السيطرة علينا، فهذه ليست صداقة أيضًا.
بناءً على هذه الفرضيات، من الضروري التفكير في بعض الاستراتيجيات البسيطة للتعامل مع الأصدقاء الغيورين. تجدونها بالتفصيل أدناه.
- أولاً، حاول فهم ما قد يكون وراء هذا السلوك. هل هذا الشخص مفرط في الاعتماد على الآخرين؟ هل لديه تدني في تقدير الذات؟ كيف هي حياته الشخصية؟ في بعض الأحيان، هناك عوامل تُحفز هذا السلوك، ومن المهم أن تكون على دراية بها.
- ثم، اشرح لهذا الصديق أن سلوكه يُشعرك بعدم الارتياح. أعطِ أمثلة على مواقف، ووضّح بوضوح ما ستتسامح معه وما لن تتسامح معه.
- من المهم عدم تجاهل السلوك المؤذي. التدخل المبكر يُوضح الموقف ويضع الحدود.
- يمكنك طلب التغييرات والانتظار بضعة أيام حتى تحدث. إذا لم تحدث التغييرات واستمر السلوك الغيور، فسيتعين عليك اتخاذ خطوة أكثر صرامة، مثل إنهاء الصداقة.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى مقولة أرسطو الشهيرة: "الصديق الجيد ترياقٌ لمئة عدو". بمعنى آخر، قد نصادف في رحلة الحياة أشخاصًا يشوهون مفهوم الصداقة تمامًا. ومع ذلك، نجد دائمًا من يُشفي كل شيء، ويُعطي معنىً لكل شيء.